الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
427
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا - وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا - إِذْ قُبِضَتْ عنَهُْ أَطْرَافُهَا . . . فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْهَرِ ص - فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى - وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بنِبَيِهِِّ - وَالْمُقْتَصُّ لأِثَرَهِِ - قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً - أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً - وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً - عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا - وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْغَضَ شَيْئاً فأَبَغْضَهَُ - وَحَقَّرَ شَيْئاً فحَقَرَّهَُ وَصَغَّرَ شَيْئاً فصَغَرَّهَُ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَرسَوُلهُُ - وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَرسَوُلهُُ - لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً للِهَِّ وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ - وَلَقَدْ كَانَ ص يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ - وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ وَيَخْصِفُ بيِدَهِِ نعَلْهَُ - وَيَرْقَعُ بيِدَهِِ ثوَبْهَُ وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ - وَيُرْدِفُ خلَفْهَُ - وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بيَتْهِِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ - يَا فُلَانَةُ لِإِحْدَى أزَوْاَجهِِ غيَبِّيِهِ عَنِّي - فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إلِيَهِْ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا - فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بقِلَبْهِِ وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نفَسْهِِ - وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عيَنْهِِ - لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً وَلَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً - وَلَا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ - وَأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ . وَكَذَا مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إلِيَهِْ - وَأَنْ يُذْكَرَ عنِدْهَُ - وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ص - مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا - إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خاَصتَّهِِ - وَزُوِيَتْ عنَهُْ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زلُفْتَهِِ - فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بعِقَلْهِِ - أَكْرَمَ اللَّهُ مُحَمَّداً ص بِذَلِكَ أَمْ أهَاَنهَُ - فَإِنْ قَالَ أهَاَنهَُ فَقَدْ كَذَبَ وَأَتَى بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ - وَإِنْ قَالَ أكَرْمَهَُ - فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَهَانَ غيَرْهَُ حَيْثُ بَسَطَ لَهُ الدُّنْيَا - وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ - فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ